السيد محمد حسين الطهراني

90

معرفة المعاد

والعوالم المجرّدة ، وهو ما يمثّل مقولة غير صائبة تمثّل أساس فلسفة المادّيّين القائلين بأصالة المادّة ، والذين يعدّون الروح والملكوت أثراً ضعيفاً من المادّة وترشّحاً عنها . وفي الحقيقة فإنّ منهجهم ومدرستهم يمكن أن يُدعى بمنهج ومدرسة أصالة المادّة . أمّا منهج المتألهين في المقابل فهو منهج أصالة الله وأصالة التوحيد وأصالة المعنى ، وذلك أوّلًا : لأنه يقول بوجود الله المجرّد البسيط الذي لا حدّ له ولا عدّ ، واللامتناهي بلحاظ القدرة والعظمة والعلم والحياة ، على نحو الاستقلال في الوجود ، ثمّ إنّ الموجودات المجرّدة ، الروحانيّة والمادّيّة توجد بعد ذلك الوجود المقدّس ، على أنّ كيفيّة وجودها على نحو الخلقة وبنفس مجرّد الإرادة ، لا على نحو الإخراج والخروج ، أي الولادة . خلقة الموجودات المادّيّة لا منافاة لها مع الحركة الجوهريّة لصدر المتألّهين ولا منافاة لهذا الكلام مع مبنى صدر المتألهين في سير الموجودات المادّيّة وتكاملها إلى الموجودات المجرّدة . فهو يقول في النفس بأنّ مبدأها جسماني ونهايتها روحانيّة : النّفْسُ جِسْمَانِيَّةُ الْحُدُوثِ ، رَوْحَانِيَّةُ البَقَاءِ . « 1 »

--> ( 1 ) أثبت هذا المعنى صدر المتألهين قدّس الله سرّه ، وقد وُضعت قواعده بلحاظ الحركة الجوهريّة التي هي أمر مُبرهن عليه ، كما أنّ الآيات والروايات تشير إلى هذا المعنى بدقّة ولطافة ملحوظة . فالقرآن الكريم يقول في شأن الإنسان : وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنسَانَ مِن سُلَالَةٍ مِن طِينٍ ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً في قَرَارٍ مكِينٍ ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلْقَنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْماً ثُمَّ أنْشَأنَاهُ خَلْقاً ءَاخَرَ فَتَبَارَكَ اللهُ أحْسَنُ الْخَالِقِينَ ( الآيات 14 12 ، من السورة 23 : المؤمنون ) . مُبيّناً في هذه الآيات سير تكامل الإنسان وترقّيه من المراحل الاوّليّة على نحو التغيّر والتبدّل ، فقد خلقنا الإنسان أوّلًا من سُلالة من الطين والتراب ، ثمّ جعلنا ذلك الجوهر مستقرّاً على هيئة نُطفة في محلّ مكين هو رحم الامّ ، ثمّ جعلنا النطفة علقة ، ثمّ جعلنا العلقة مُضغة . فهو يقول أوّلًا إنّ المبدأ الاوّل للإنسان من جوهر الطين ، ويبيّن ثانياً مراتب تغيّره وتبدّله التكاملي فيقول إنّ النطفة فقدت هيئتها فصارت علقة ، ثمّ فقدت العلقة هيئتها فصارت مُضغة ، ثمّ فقدت المضغة هيئتها فصارت عظاماً . ويصل ثالثاً إلى نفخ الروح فيقول ( ثُمَّ أنشَأناهُ ) أي أننا خلقنا من ثمّ ذلك العظام المكسوّ باللحم خلقاً آخر ، أي أخرجناه في التجرّد الإنسانيّ وجعلناه موجوداً حيّاً شاعراً وعالماً صاحب نفس ناطقة ؛ وحقّاً فإنّ من المناسب أن يمدح نفسه هنا ويمجّدها فيقول تَبَارَكَ اللهُ أحْسَنُ الْخَالِقِينَ . وما أبدع وصف العارف الروميّ جلال الدين في المثنوي حين يقول : از جمادى مردم ونامى شدم * وز نَما مُردم بحيوان سر زدم مُردم از حيواني وآدم شدم * پس چه ترسم كي ز مردن كم شدم حملة ديگر بميرم از بشر * تا بر آرم از ملايك بال وپر وز مَلك هم بايدم جستن ز جو * كُلُّ شيءٍ هالك الّا وَجههُ بار ديگر از مَلك قربان شوم * آنچه اندر وَهْم نايد آن شوم پس عدم گردد عدم چون ارغنون * گويدم كَانا إلَيهِ رَاجعون ( المجلّد الثالث للمثوني ، طبع ميرخاني ، ص 99 وفي الترقيم العامّ للكتاب ص 300 ) يقول : مُتُّ من جمادٍ ونَمَوتُ ، ثمّ مُتّ من النماء فطلعتُ حيواناً ثمّ متّ من الحيوان فصرت آدميّاً ، فما بالي أخاف متى يخطفني الموت ؟ إنْ هي إلّا هجمة أخرى أموت بها من البشر ، لا حصل من الملائكة على ريش وجناح ! وعَلَيّ من ثمّ أن أقفز من المَلَك ، فكلّ شيء هالك إلّا وجهه . عَلَيّ أن أصبح قرباناً من مرتبة المَلَك ، لأصبح ما لا يرقى إليه الوهم والخيال . فلا كن عدماً إذَن ، عدماً كالأرغن ، قائلًا : إنّا إليه راجعون !